![]() |
| مجلة الأحداث | مقالات صحفية |
يعيش السودان في مطلع سبتمبر 2026 لحظة متناقضة بامتياز: فمن جهة، تتحدث الأوساط الدبلوماسية عن نافذة ضيقة لوقف إطلاق النار بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، مدفوعة بتحركات في مجلس الأمن الدولي ووثائق سياسية جديدة صادرة عن قوى مدنية ومسلحة. ومن جهة أخرى، يواصل الجنيه السوداني انهياره غير المسبوق، ليضع البلاد أمام سؤال محوري: هل يمكن أن ينجح مسار سياسي بينما ينهار الاقتصاد الذي سيُبنى عليه أي سلام؟
🚨 المسار السياسي: تحركات متسارعة في نيويورك ونيروبي وأديس أبابا
👈 شهد مجلس الأمن الدولي جلسة إحاطة خاصة بالسودان بدعوة من مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون الأفريقية والشرق الأوسط، مسعد بولس، تناولت الأوضاع الإنسانية وتدفق الأسلحة، بما في ذلك الطائرات المسيّرة. وتأتي الجلسة قبيل موعد بالغ الأهمية هو مراجعة حظر السلاح المفروض على دارفور في 12 سبتمبر الجاري، حيث تدرس واشنطن مقترحًا لتوسيع الحظر ليشمل السلاح والطيران في عموم البلاد، وهو ما يحمل، بحسب مراقبين، دلالات تتجاوز تعديل القرار الأممي رقم 1591 إلى محاولة التأثير المباشر في ميزان القوة العسكرية بين الجيش وقوات الدعم السريع.
👈 وبالتوازي، ناقشت قوى سياسية ومدنية سودانية في نيروبي ورقة بعنوان "وقف إطلاق النار المؤقت وترتيبات إنهاء الحرب"، وسط توقعات بالخروج بتوافق حول عملية سياسية شاملة تجمع المسارات الإنسانية والسياسية وترتيبات الهدنة. كما أصدرت مجموعة من القوى المناهضة للحرب في أديس أبابا وثيقة "الموقف المشترك"، طارحة رؤية تقوم على ثلاثة مسارات متزامنة: مسار إنساني لحماية المدنيين وفتح طرق الإغاثة، ومسار لوقف إطلاق النار عبر هدنة شاملة تمهد لوقف دائم، ومسار سياسي عبر حوار سوداني-سوداني يعالج جذور الأزمة كشكل الدولة وإعادة بناء الجيش والعدالة الانتقالية.
📌 قراءة تحليلية: تكمن أهمية هذه التحركات في تزامنها؛ فحين تتحرك الآلية الخماسية (الأمم المتحدة، الاتحاد الأفريقي، الاتحاد الأوروبي، الهيئة الحكومية للتنمية "إيقاد") ومجلس الأمن ومبادرات القوى المدنية في وقت واحد تقريبًا، فذلك مؤشر على أن الملف السوداني بدأ يستعيد زخمًا دوليًا كان قد تراجع خلال العام الماضي. غير أن تعدد المسارات نفسه يحمل مخاطر التشتت، إذ تتنافس مبادرات نيروبي وأديس أبابا وجهود الرباعية الدولية (الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر) على قيادة العملية، وسط انقسام حاد بين من يرى في دعوات "الحوار الوطني" التي يطرحها مجلس السيادة غطاءً سياسيًا لاستمرار الحكم العسكري، ومن يعتبرها خطوة ضرورية نحو التهدئة.
💰 المسار الاقتصادي: الجنيه يفقد 90% من قيمته
👈 بينما تدور رحى المفاوضات السياسية، يواصل الاقتصاد السوداني انهياره بمعدلات قياسية. تجاوز سعر صرف الدولار في السوق الموازية عتبة 6000 جنيه، ليصل في بعض التعاملات إلى نحو 6400 جنيه، مقارنة بأقل من 600 جنيه قبل اندلاع الحرب في أبريل 2023. ويعني ذلك أن العملة الوطنية فقدت نحو 90% من قيمتها في أقل من ثلاث سنوات ونصف، ما يضعها في مصاف أضعف عملات العالم مقارنة بعدد الوحدات المطلوبة لشراء دولار واحد.
👈 وتكشف المؤشرات الاقتصادية عن أزمة معيشية غير مسبوقة، مدفوعة بتآكل القوة الشرائية، وتضرر قطاعي الإنتاج والخدمات، واستنزاف موارد الدولة في تمويل الحرب. وفي مؤشر إضافي على تراجع الثقة بالعملة المحلية، تجاوز سعر غرام الذهب الخام 700 ألف جنيه للمرة الأولى في التاريخ، وهو ما يعكس توجه المواطنين نحو تخزين ثرواتهم بأصول بديلة بدلًا من الاحتفاظ بالجنيه.
👈 وفي مواجهة هذا الانهيار، عاد النقاش حول فكرة حذف ثلاثة أصفار من العملة الوطنية إلى الواجهة، باعتبارها إجراءً تقنيًا قد يبسّط التعاملات اليومية، لكن خبراء يحذرون من أن حذف الأصفار وحده لا يصنع "جنيهًا قويًا"، إذ إن القيمة الحقيقية للعملة ترتبط بقوة الاقتصاد المنتِج لا بعدد الأصفار على الورقة النقدية. وتبقى وزارة المالية التابعة لسلطة بورتسودان متفائلة بتحقيق نمو اقتصادي بنسبة 9% خلال 2026، وهو رقم يرى محللون أنه يحتاج إلى قراءته في ضوء الانكماش الاستثنائي الذي سبقه خلال سنوات الحرب، أي أنه نمو من قاعدة منهارة أصلًا وليس تعافيًا فعليًا.
🖋️ رأي مجلة الأحداث
المفارقة الأخطر في المشهد السوداني الراهن أن المسارين السياسي والاقتصادي يتحركان بسرعتين متعاكستين تمامًا: الأول يسير ببطء شديد عبر مؤتمرات ومبادرات متعددة قد تستغرق أشهرًا لتثمر، بينما الثاني ينهار يوميًا بوتيرة تهدد بتفريغ أي اتفاق سياسي محتمل من مضمونه قبل أن يُوقَّع. فحتى لو نجحت الجهود الدولية في فرض هدنة أو التوصل إلى تفاهم سياسي، فإن البلاد ستواجه اقتصادًا مثقلًا بعملة منهارة، وتضخمًا جامحًا، وبنية إنتاجية شبه معطلة. هذا يعني أن أي عملية سلام مستدامة لا يمكن أن تكتفي بترتيبات وقف إطلاق النار وحدها، بل يجب أن تُصاحَب بخطة اقتصادية طارئة تُعالج جذور انهيار العملة، وإلا فإن السلام السياسي سيولد في بيئة اقتصادية غير قادرة على احتضانه.
📰 نشرناه اليوم
📱 تابع وشارك عبر وسائل التواصل:
تم إعداد هذا المحتوى بواسطة فريق مجلة الأحداث ✍️ جميع الحقوق محفوظة © 2025
🔍 تحسين الفهرسة والزحف
يغطي هذا المقال آخر مستجدات المسارين السياسي والاقتصادي في السودان، بين جهود وقف إطلاق النار الدولية وانهيار الجنيه السوداني، وقد تم تحسين صياغته وهيكلته ليتوافق مع معايير الزحف الخاصة بـGooglebot وBingbot.
🕓 نُشر هذا التحليل بتاريخ 1 سبتمبر 2026، ويُحدَّث تلقائيًا عند إعادة الزحف بواسطة محركات البحث.
