recent
أخبار ساخنة

السودان بين حوار داخلي متعثر وانهيار اقتصادي متسارع

 

السودان بين حوار داخلي متعثر وانهيار اقتصادي متسارع
مقالات صحفية | مجلة الاحداث

السودان بين حوار داخلي متعثر وانهيار اقتصادي متسارع

يعيش السودان هذه الأيام على وقع مسارين متوازيين، لا ينفصل أحدهما عن الآخر رغم اختلاف عناوينهما الظاهرية: مسار سياسي يحاول رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان دفعه نحو "حوار سوداني-سوداني" تحت سقف ضمانات قضائية جديدة، ومسار اقتصادي ينحدر بسرعة أكبر من سرعة أي تفاهم سياسي محتمل، مع تهاوٍ متجدد لقيمة الجنيه وقفزات قياسية في أسعار الذهب محليًا وعالميًا.

وبينما تتوالى بيانات الرفض والترحيب من مختلف القوى السياسية حول جدوى الحوار المطروح، يجد المواطن السوداني نفسه في مواجهة يومية مع غلاء متصاعد وانهيار في القدرة الشرائية، ما يجعل من الصعب الفصل بين ما يجري في قاعات التفاوض وما يجري في الأسواق.

المشهد السياسي: حوار تحت الاختبار قبل أن يبدأ

أعلن وزير العدل السوداني عبد الله درف أن رئيس مجلس السيادة أصدر ضمانات مكتوبة استجابة لمبادرة "الحوار السوداني-السوداني"، تتضمن شطب البلاغات المرتبطة بالرأي السياسي ومنح حصانة إجرائية مؤقتة للمشاركين فيه. الخطوة جاءت بعد أن أعلنت لجنة تمهيدية من الخرطوم انطلاق مشاورات لتهيئة المناخ السياسي، تمهيدًا لصياغة رؤية مشتركة حول مستقبل المرحلة الانتقالية وسبل إنهاء الحرب المستمرة منذ إبريل 2023. لكن هذه الضمانات، على أهميتها الرمزية، لم تنجح في تجاوز جدار الشك الذي بناه جانب واسع من القوى المدنية والمسلحة تجاه أي مسار حوار يُدار من داخل مؤسسة الجيش. فتحالف "صمود" الذي يتزعمه رئيس الوزراء الأسبق عبد الله حمدوك جدد رفضه القاطع للمبادرة، واصفًا إياها بأنها محاولة لإضفاء الشرعية على سلطة أحادية، ومطالبًا بأن يسبق أي عملية سياسية وقف كامل لإطلاق النار ومعالجة جادة للكارثة الإنسانية المتفاقمة في عدة ولايات.

الجدل تصاعد أكثر بعد أن أصدرت مفوضية الاتحاد الأفريقي بيانًا رحبت فيه بإطلاق الحوار من داخل السودان، وهو ما اعتبرته عدة تحالفات سياسية ومدنية انحيازًا لطرف واحد في النزاع، خاصة أن هذا الترحيب يتناقض في نظرها مع قرار تجميد عضوية السودان في الاتحاد عقب انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر. اللجنة المشرفة على الحوار من جهتها اعتبرت الموقف الأفريقي دعمًا يمكن البناء عليه، شريطة ألا يتحول إلى تدخل في نتائج العملية نفسها.

الانقسام لم يتوقف عند حدود المعارضة المدنية، بل امتد إلى معسكر الحلفاء التقليديين للجيش. فتحالف "الكتلة الديمقراطية" يعيش حالة تشظٍّ غير مسبوقة بين فصائله السياسية والعسكرية، حيث تفضل بعض الفصائل المسلحة الانخراط المباشر في الحوار الداخلي لضمان حل سريع، بينما تتمسك أحزاب مدنية داخل التحالف نفسه بضرورة إبقاء الملف تحت مظلة الوساطة الدولية والآلية الخماسية، خشية أن يُستخدم الحوار الداخلي لفرض شروط الجيش على العملية السياسية برمتها. هذا التباين الداخلي يعكس حجم الهشاشة التي تعتري أي محاولة لبناء جبهة موحدة قادرة على التفاوض بصوت واحد.

المشهد الاقتصادي: جنيه ينهار وذهب يكسر الأرقام القياسية

في موازاة الاستعصاء السياسي، يواصل الاقتصاد السوداني انحدارًا حادًا تعكسه حركة سعر الصرف. فقد واصل الجنيه السوداني تراجعه أمام الدولار الأمريكي ليقترب من مستويات غير مسبوقة، وسط اتساع الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية، وهو ما يعكس عمق الاختلالات الهيكلية التي يعاني منها الاقتصاد الوطني منذ اندلاع الحرب. محللون اقتصاديون يحذرون من أن استمرار هذا التدهور، مقترنًا بضعف الثقة في استقرار القطاع المصرفي، قد يدفع المواطنين إلى التخلي عن الاحتفاظ بمدخراتهم بالعملة المحلية والتوجه نحو السلع أو العملات الأجنبية أو الذهب، ما يزيد بدوره من الضغط على الجنيه في حلقة مفرغة يصعب كسرها دون إصلاح نقدي جذري.

وفي المقابل، تشهد أسعار الذهب في الأسواق السودانية قفزات متتالية، مدفوعة بعاملين متزامنين: الأول محلي يتمثل في انهيار قيمة الجنيه الذي يرفع تلقائيًا القيمة الاسمية للذهب بالعملة المحلية، والثاني عالمي يتمثل في الصعود التاريخي لأسعار المعدن الأصفر بعد تجاوز الأونصة عالميًا حاجز 4450 دولارًا. هذا الصعود العالمي يرتبط بدوره بترقب الأسواق لبيانات سوق العمل الأمريكية وتصاعد التوقعات حول تحركات مرتقبة في أسعار الفائدة، وهو ما يدفع المستثمرين حول العالم نحو الملاذات الآمنة التقليدية.

النتيجة المحلية لهذا التزامن هي أن أسعار عيار 21 والعيارات الأخرى في الأسواق السودانية باتت تسجل أرقامًا قياسية متتالية خلال الأيام الماضية، ما جعل الذهب أحد أكثر الأصول طلبًا كملاذ من انهيار الجنيه، في وقت يجد فيه غالبية المواطنين أنفسهم عاجزين عن مجاراة هذا السباق بين تراجع العملة وصعود المعدن النفيس، وسط ارتفاع مواز في أسعار السلع الأساسية والخدمات.

قراءة في العلاقة بين الاستعصاء السياسي والانهيار الاقتصادي

لا يمكن قراءة الأزمة الاقتصادية بمعزل عن حالة الجمود السياسي التي يعيشها البلد. فاستمرار الحرب وغياب أفق واضح لتسوية سياسية شاملة يُبقيان الاستثمار مجمدًا، ويحدّان من قدرة أي حكومة على تنفيذ إصلاحات نقدية جادة، بينما تستمر مؤسسات الدولة في العمل بمنطق إدارة الأزمة اليومية بدل التخطيط الاستراتيجي. في المقابل، فإن تعمق الأزمة المعيشية يرفع سقف مطالب الشارع ويضيّق هامش المناورة أمام الأطراف السياسية المتفاوضة، سواء كانت داخل مؤسسة الحكم أو في صفوف المعارضة، ما يجعل أي حوار مقبل مطالبًا ليس فقط بترتيب المشهد السياسي، بل بتقديم إجابات ملموسة عن مصير العملة الوطنية ومسارات التعافي الاقتصادي.

رأي مجلة الأحداث: المؤشرات الراهنة تكشف أن معركة السودان الحقيقية باتت تدار على جبهتين متلازمتين: جبهة الشرعية السياسية وجبهة الاستقرار الاقتصادي، وأن أي نجاح جزئي في إحداهما لن يصمد طويلًا دون تقدم موازٍ في الأخرى. فالحوار الداخلي، مهما بلغت ضماناته القانونية، لن يكتسب مصداقية شعبية واسعة ما لم يقترن بخطوات عملية تخفف من وطأة الانهيار المعيشي اليومي.

📩 تابعونا على بلوجر: مجلة الأحداث
📲 واتساب: تابعنا لمزيد من التحديثات
🐦 تويتر/إكس: @Eventestrend
📣 تيليجرام: انضم إلى قناتنا لمتابعة الأخبار أولًا بأول

© 2025 مجلة الأحداث


🔍 تحسين الفهرسة والزحف: تابع تطورات المشهد السياسي والاقتصادي في السودان أولًا بأول عبر مجلة الأحداث. للاطلاع على دليل الكلمات المفتاحية الخاص بنا اضغط هنا، ولتصفح أرشيف الأخبار السابقة اضغط هنا، كما يمكنكم الاطلاع على سياسة الخصوصية الخاصة بالموقع من هنا. نواصل رصد كل جديد في الساحة السودانية سياسيًا واقتصاديًا بتحليل مستمر ودقيق.

google-playkhamsatmostaqltradentX