![]() |
| مجلة الأحداث | مقالات صحفية |
السودان اليوم: تصعيد سياسي وانهيار اقتصادي غير مسبوق
يتشكل مشهد السودان اليوم من طبقتين متزامنتين من الأزمة: تجاذب دبلوماسي حاد داخل مجلس الأمن الدولي حول مستقبل حظر السلاح، وتحذير أوروبي مباشر من خيار الحسم العسكري، في وقت ينهار فيه الاقتصاد الداخلي إلى درجة باتت توصف بـ"الموت الاقتصادي". هذا المزيج من التصعيد السياسي والانكماش المعيشي يضع البلاد أمام استحقاقات متشابكة لا يمكن فصل بعضها عن بعض.
في هذا التقرير، ترصد "مجلة الأحداث" أبرز العناوين السياسية والاقتصادية الصادرة خلال الساعات الماضية، مع قراءة تحليلية لما تعنيه هذه التطورات بالنسبة لمسار الحرب، وموقف المجتمع الدولي، وواقع المواطن السوداني الذي يخوض يومياً معركة توفير لقمة العيش.
🕊️ مجلس الأمن يمدّد حظر السلاح "تقنياً".. لا شامل ولا منتهٍ
وافق مجلس الأمن الدولي، الجمعة، على تمديد نظام العقوبات الخاص بحظر السلاح المفروض على إقليم دارفور لمدة شهر واحد فقط بدل التمديد السنوي المعتاد، بعد تعثر التوافق بين الأعضاء حول مقترح أمريكي يدعو لتوسيع الحظر ليشمل كل الأراضي السودانية، وهو مقترح عارضته روسيا والصين بقوة. وجدد المجلس العقوبات المفروضة سابقاً حتى التاسع من أكتوبر المقبل، ومدد ولاية فريق الخبراء المكلف بمراقبة تنفيذها حتى التاسع من نوفمبر.
المندوب الأمريكي وصف نظام العقوبات الحالي بأنه تجاوزه الزمن منذ أكثر من عشرين عاماً، ودعا لتوسيع معايير الإدراج في القائمة لتشمل جرائم العنف الجنسي المرتبط بالنزاع والاختطاف مقابل فدية واستهداف العاملين في المجال الإنساني، مؤكداً أن واشنطن ستعاود طرح مقترحها الأوسع خلال شهر. في المقابل، تمسكت نائبة المندوب الروسي بأن التمديد التقني هو الخيار الوحيد المقبول، معتبرة أن الجيش السوداني يمتلك حالياً "أفضلية ميدانية واضحة" ولا مبرر لتقييد قدرته على الدفاع عن الدولة. مندوب السودان لدى الأمم المتحدة من جهته شكر الدول الداعمة لموقف الخرطوم، مستنداً إلى المادة 21 من ميثاق الأمم المتحدة التي تكفل حق الدول في الدفاع عن نفسها.
أما مستشار رئيس مجلس السيادة للشؤون السياسية، فاعتبر أن التمديد التقني يمنح واشنطن مزيداً من الوقت لإعادة تمرير مقترحها الأوسع الشهر المقبل، متسائلاً عن مصير المدنيين في الأبيّض لو لم يمتلك الجيش السلاح الكافي لصد هجمات قوات الدعم السريع، محذراً من تكرار سيناريو الفاشر في مدن أخرى إذا فُرض حظر شامل.
القراءة التحليلية: يعني هذا القرار عملياً أن معركة حظر السلاح لم تُحسم بل أُجّلت لأسابيع قليلة فقط، وسط تصميم أمريكي معلن على العودة بمقترح موسّع، ومعارضة روسية-صينية تكشف عمق الانقسام داخل مجلس الأمن حيال الملف السوداني. حكومة بورتسودان تنظر إلى هذا التمديد "التقني" كمكسب سياسي مؤقت يحفظ حقها في التسلح، غير أنه لا يبدد شبح عودة النقاش الأوسع في الأسابيع المقبلة.
🇪🇺 بروكسل تحذّر البرهان من "الحسم العسكري" وتخشى النفوذ الروسي الإيراني
كشفت مصادر دبلوماسية أن الممثلة الخاصة للاتحاد الأوروبي لمنطقة القرن الأفريقي أبدت خلال لقائها المنفرد بالقائد العام للجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، قلقاً واضحاً من الإصرار على إعلاء الخيار العسكري لحسم النزاع، مؤكدة أن القوة وحدها لا يمكن أن تنهي الأزمة. كما تحدثت عن قلق بروكسل البالغ من أي تمدد للنفوذ الروسي أو الإيراني على سواحل البحر الأحمر مقابل حصول السودان على دعم عسكري من هذه الدول.
وبحسب مصادر دبلوماسية سودانية، ركز اللقاء على رغبة الاتحاد الأوروبي في إنهاء الحرب والعودة إلى مسار انتقال مدني ديمقراطي عبر حكومة مدنية مستقلة، فيما أبدت المسؤولة الأوروبية قلقها من امتداد الأزمة إلى القرن الأفريقي وتأثيراتها على أمن الملاحة في البحر الأحمر وموجات الهجرة. في المقابل، ركز البرهان على تثبيت شرعية مؤسسات الدولة القائمة، مطالباً الاتحاد الأوروبي بفرض عقوبات حازمة على قوات الدعم السريع والجهات الإقليمية الداعمة لها، وربط أي تقدم سياسي بوقف إطلاق النار وفك الحصار وتسهيل الدعم الإنساني عبر القنوات الرسمية.
القراءة التحليلية: تكشف هذه المباحثات أن الخلاف بين الخرطوم وبروكسل لم يعد يقتصر على وقف إطلاق النار، بل امتد إلى قراءة متباينة لجذور الأزمة وامتداداتها الإقليمية، خصوصاً مع تصاعد القلق الأوروبي من أي دور روسي-إيراني على سواحل البحر الأحمر. ومع تمسك الجيش بخيار الحسم الميداني، يبدو أن أي اختراق سياسي حقيقي لا يزال بعيد المنال في المدى القريب.
💸 "الموت الاقتصادي" يضرب موائد السودانيين.. بيع الخضار بـ"القطعة"
في مؤشر صادم على حجم الانهيار المعيشي، تحول المشهد الغذائي في السودان من حالة ندرة السلع إلى حالة انعدام القدرة على شرائها، حيث أصبح تأمين وجبة يومية واحدة معركة يومية للبقاء. وأفاد تجار في السوق المحلي بجنوب الخرطوم بأن أسلوب البيع تغير جذرياً، إذ باتت تُباع حبة طماطم واحدة أو جزرة أو ليمونة أو خيارة بمفردها، بدلاً من البيع بالجملة الصغيرة كما كان معتاداً سابقاً، فيما يقتصر شراء البطاطس والبصل على قطعة أو قطعتين مع كميات محدودة من الزيت والعظام لإعداد المرق.
خبراء اقتصاديون وصفوا الموجة الحالية بأنها تضخم غذائي حاد ومتسارع، وليست مجرد ارتفاع موسمي مرتبط بدورة الطلب، مرجعين ذلك إلى الارتفاع المستمر في تكاليف الإنتاج والنقل والطاقة، واعتماد سلاسل الإمداد الغذائية بشكل كبير على وقود مستورد أو مرتفع الكلفة، ما يضيف أعباء على كل حلقة من حلقات القيمة الغذائية بدءاً من الزراعة وصولاً إلى منافذ البيع. كما شهد أحد أكبر أسواق الجملة في العاصمة توقفاً شبه كامل لحركته التجارية، نتيجة تعطل الإنتاج الزراعي والصناعي، وانقطاع الطرق الرابطة بين مناطق الإنتاج والمراكز الحضرية.
ورغم تحذيرات أممية متكررة من وصول بعض المناطق إلى مرحلة المجاعة الفعلية ضمن التصنيف المتكامل للأمن الغذائي، لا تعترف الحكومة رسمياً بوجود أزمة غذائية في البلاد، فيما لم تتلق نداءات الإغاثة الدولية سوى نسبة ضئيلة جداً من التمويل المطلوب لمواجهة الأزمة الإنسانية المتفاقمة.
القراءة التحليلية: ما يصفه الخبراء بـ"الموت الاقتصادي" ليس مجازاً صحفياً، بل توصيف دقيق لواقع يومي يعيشه ملايين السودانيين، حيث تحوّلت مسألة العيش الكريم إلى نقاش حول قطعة خضار واحدة. وأي حديث مستقبلي عن نمو اقتصادي أو تعافٍ يجب أن يُقرأ في ضوء هذا الانكماش الحاد الذي سبقه، لا كدليل على استعادة مستويات المعيشة السابقة.
📊 قراءة ختامية: أين تلتقي السياسة بالاقتصاد؟
تكشف عناوين اليوم أن الخطوط السياسية والاقتصادية في السودان لم تعد منفصلة. استمرار الحرب وتعثر أي تسوية شاملة يديمان اضطراب طرق الإمداد وارتفاع كلفة الوقود والنقل، وهو ما ينعكس مباشرة على أسعار السلع الأساسية وقدرة الأسر على الشراء. في المقابل، يبقى النقاش الدولي منشغلاً بتفاصيل حظر السلاح وموازين القوى العسكرية أكثر من انشغاله بالاستجابة العاجلة للانهيار الإنساني على الأرض، وهي فجوة تتسع يوماً بعد آخر بين أولويات الدبلوماسية الدولية ومعاناة المواطن السوداني.
التمديد "التقني" لحظر السلاح لا يحل شيئاً، بل يؤجل استحقاقاً كبيراً ستعود مناقشته خلال أسابيع. والأخطر من ذلك أن هذا الجدل الدبلوماسي يجري بينما يعيد السودانيون تعريف مفهوم الوجبة اليومية إلى حبة طماطم وجزرة. أي حل سياسي لا يُبنى على وقف فوري للنزيف الاقتصادي والإنساني سيبقى حلاً منقوصاً، مهما بلغت مهارة صياغته الدبلوماسية.
📰 نشرناه اليوم
- ◀ كل مستجدات السبت في نشرة واحدة
- ◀ السودان يترنح بين التصعيد السياسي والانهيار الاقتصادي
- ◀ جولة في أبرز أخبار الملاعب الأوروبية اليوم
