![]() |
| مقالات صحفية | مجلة الاحداث |
تصعيد عسكري في كردفان يهدد باقتصاد منهار
تشهد الساحة السودانية هذه الأيام تشابكًا لافتًا بين الملفين العسكري والاقتصادي، إذ لم تعد معارك الحرب في السودان مجرد صراع على الأرض، بل باتت محركًا مباشرًا لانهيار الجنيه السوداني وارتفاع الأسعار في الأسواق المحلية. فبينما يواصل الجيش السوداني تقدمه الميداني في محاور شمال كردفان، تتفاقم الأزمة المعيشية للمواطنين في مختلف الولايات، في مشهد يعكس حجم الترابط بين ميدان القتال وواقع السوق.
الموقف الميداني في كردفان ودارفور
حقق الجيش السوداني والقوات المتحالفة معه تقدمًا لافتًا في محور شمال كردفان، بعد استعادة السيطرة على مدن وبلدات استراتيجية كانت تخضع لنفوذ قوات الدعم السريع. وتكمن أهمية هذا التقدم في أن المنطقة تقع على طريق الصادرات الرابط بين أم درمان والأبيض وصولًا إلى إقليم دارفور، وهو ما يمنح القوات المسلحة أفضلية لوجستية طال انتظارها.
في المقابل، تحاول قوات الدعم السريع تعويض خسائرها الميدانية عبر شن هجمات مضادة على مناطق قريبة من الأبيض، إلى جانب استهداف التجمعات المدنية بالطائرات المسيّرة. وتؤكد مصادر عسكرية أن هذه الهجمات المضادة تكبدت خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد، دون أن تغيّر موازين السيطرة الميدانية بشكل جوهري. وتشير التقديرات إلى أن استمرار المعارك في محوري كردفان ودارفور سيبقي ملف الاستقرار الأمني بعيد المنال في المدى القريب.
ويرى مراقبون أن كل تقدم عسكري جديد يحمل بعدًا اقتصاديًا مباشرًا، إذ يتيح تأمين طرق الإمداد والتصدير عودة تدريجية لبعض الأنشطة التجارية المتوقفة منذ اندلاع الحرب، وهو ما تنتظره قطاعات واسعة من التجار والمزارعين في الولايات المتضررة.
الجنيه السوداني في مواجهة انهيار غير مسبوق
على الصعيد الاقتصادي، يواجه اقتصاد السودان واحدة من أصعب مراحله منذ استقلال البلاد. فقد هبط الجنيه السوداني في السوق الموازية إلى مستويات قياسية، ليقترب سعر الدولار الواحد من ثمانية آلاف جنيه، مقارنة بنحو 500 جنيه فقط قبل اندلاع النزاع في أبريل 2023. هذا التراجع الحاد يعني عمليًا تبخّر القوة الشرائية لغالبية الأسر السودانية خلال أقل من ثلاث سنوات.
وفي ظل هذا الانهيار، يسعى وزير المالية إلى إعلان خطة لكبح التضخم في السودان والنزول بمعدله السنوي إلى ما لا يتجاوز 60 بالمئة بحلول نهاية العام الجاري، وهو هدف طموح في ظل استمرار الحرب واستنزاف موارد الدولة. وتتحدث وزارة المالية عن إمكانية تحقيق نمو اقتصادي يصل إلى تسعة بالمئة خلال 2026، لكن خبراء اقتصاديين يحذرون من أن هذا الرقم قد يعكس جزئيًا "أثر القاعدة المنخفضة" الناتج عن الانكماش الحاد الذي سبقه، أكثر مما يعكس تعافيًا حقيقيًا في مستوى معيشة المواطنين.
وتشير الأرقام إلى أن أكثر من 22 مليون شخص باتوا بحاجة إلى مساعدات غذائية عاجلة، في وقت تتزايد فيه الضغوط على العملة والأسعار والإنتاج المحلي في آن واحد. ويحذر خبراء دوليون من أن الآثار الاقتصادية لهذه الحرب قد تمتد لعقود قادمة، حتى في حال توقف القتال بشكل كامل.
الذهب والتمويل الدولي.. فرص وسط الأزمة
رغم قتامة المشهد، يبرز قطاع الذهب في السودان كأحد أهم الروافع المحتملة لإنعاش الاقتصاد. فقد بدأت 17 شركة تعدين جديدة الإنتاج الفعلي، في خطوة تستهدف زيادة عوائد الذهب وتعزيز احتياطي النقد الأجنبي. غير أن هذه الجهود تصطدم بمعضلة كبرى تتمثل في تهريب الذهب خارج القنوات الرسمية، والذي تقدّر خسائره السنوية بنحو 18 مليار دولار، وهو رقم يفوق بأضعاف حجم أي مساعدات أو قروض خارجية يمكن أن تحصل عليها البلاد.
وفي سياق متصل، حصل السودان على تمويل جديد من البنك الدولي، في خطوة قد تسهم في تخفيف بعض الضغوط على الموازنة العامة وتمويل برامج الطوارئ الإنسانية. لكن المحللين يرون أن أي دعم مالي خارجي يبقى محدود الأثر ما لم يترافق مع ضبط حقيقي لمنافذ تهريب الموارد الوطنية، وعلى رأسها الذهب.
قراءة ختامية
يكشف المشهد السوداني الراهن عن معادلة معقدة، يتقدم فيها الجيش السوداني ميدانيًا في كردفان ودارفور، بينما يتراجع اقتصاد السودان إلى مستويات غير مسبوقة من الانهيار. ويبقى السؤال الأهم: هل يترجم التقدم العسكري إلى استقرار اقتصادي فعلي عبر تأمين طرق التجارة والتصدير، أم أن استمرار الحرب سيواصل استنزاف موارد البلاد بوتيرة تفوق أي مكاسب ميدانية؟ الإجابة ستتضح تدريجيًا في الأشهر المقبلة، مع تطور المواجهات وتنفيذ خطط الإصلاح الاقتصادي المعلنة.
📱 تابع وشارك عبر وسائل التواصل:
📚 روابط داخلية تهمك:
🌐 روابط خارجية موثوقة:
تم إعداد هذا المحتوى بواسطة فريق مجلة الأحداث ✍️ جميع الحقوق محفوظة © 2025
