![]() |
| مقالات صحفية | مجلة الاحداث |
يعيش السودان اليوم على وقع مسارين متوازيين لا يبدو أنهما يلتقيان: مسار سياسي دبلوماسي حذر يحاول فتح نافذة ضيقة نحو الحوار ووقف الحرب، ومسار اقتصادي ينهار بسرعة تفوق أي جهد لاحتوائه. فبينما تتحرك الأطراف الدولية والإقليمية للدفع نحو عملية سياسية شاملة، يواصل الجنيه السوداني تحطيم أرقامه القياسية في السوق الموازية، وترتفع أسعار الذهب محلياً إلى مستويات غير مسبوقة، في مشهد يعكس حجم الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع المعيشي اليومي للمواطن السوداني.
🕊️ المسار السياسي: بين مبادرات الحوار وتعقيدات الميدان
عقد رئيس مجلس السيادة الانتقالي وقائد الجيش السوداني، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، اجتماعاً مع المبعوث البريطاني الخاص إلى السودان ريتشارد كراودر، تناول أولوية إنهاء الحرب وضمان سلامة المدنيين ووقف المعاناة الإنسانية المتفاقمة. وأكد الجانب البريطاني ضرورة أن يقود السودانيون أنفسهم أي عملية تفاوضية مقبلة، عبر مسار سياسي شامل وشفاف يعكس رؤية مكونات الداخل والخارج معاً، مع ترحيب لندن بأي مبادرات تصدر عن أصحاب المصلحة الحقيقيين في الأزمة.
هذا التحرك الدبلوماسي يأتي متزامناً مع ترحيب مفوضية الاتحاد الأفريقي بإطلاق مبادرة لتيسير حوار سوداني-سوداني داخلي، مع دعوات لتوسيع المشاورات لتشمل مختلف القوى المدنية والسياسية والمجتمعية، في مؤشر على أن الزخم الدولي بدأ يتجه فعلياً نحو صياغة مخرج سياسي بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب.
في المقابل، لا يزال المشهد الميداني معقداً؛ إذ أعلن الجيش السوداني وصول تعزيزات عسكرية جديدة إلى إقليم النيل الأزرق، بينها طلائع من القوة المشتركة للحركات المسلحة المتحالفة معه، بينما وسّع الجيش التشادي انتشاره على طول الحدود مع السودان، ونفّذ عمليات تمشيط في مناطق من الصحراء الكبرى بالتوازي مع إغلاق مسارات يُشتبه في استخدامها لتهريب السلاح والمقاتلين نحو قوات الدعم السريع. كما تشير تقييمات متداولة إلى تراجع قدرة الدعم السريع على حشد مقاتلين جدد من أبناء القبائل في دارفور، نتيجة الخسائر المتراكمة وضعف التدريب والتمييز في التعامل بين المكونات الاجتماعية المختلفة داخل صفوفها.
💰 المسار الاقتصادي: انهيار الجنيه وجنون الذهب
على الجبهة الاقتصادية، يواصل الجنيه السوداني رحلة انهيار متسارعة أمام العملات الأجنبية، بعدما تجاوز الدولار في السوق الموازية حاجز السبعة آلاف جنيه لأول مرة في تاريخه، بينما ظل السعر الرسمي في البنوك يتراوح ضمن نطاق أضيق بكثير، وهو ما يعمّق الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي ويغذي حالة من الفوضى في أسواق الصرف. ورافق هذا التراجع تعطل متكرر في تطبيقات الخدمات المصرفية، ما زاد من صعوبة الحركة المالية اليومية للمواطنين والتجار على حد سواء.
هذا الانهيار في قيمة العملة المحلية انعكس مباشرة على أسواق المعادن الثمينة؛ إذ سجلت أسعار الذهب في الأسواق السودانية قفزات قياسية متتالية، ليقترب سعر غرام الذهب الخام من حاجز المليون جنيه سوداني، بينما تجاوزت أسعار الذهب المشغول هذا المستوى في بعض الأسواق. ويعزو خبراء اقتصاديون هذا الصعود إلى عاملين متشابكين: التدهور المستمر في قيمة الجنيه من جهة، والارتفاع العالمي المتزامن لأسعار المعدن الأصفر من جهة أخرى، مدفوعاً بترقب الأسواق الدولية لقرارات أسعار الفائدة الأمريكية وتزايد احتمالات خفضها، وهو ما يعزز الطلب على الذهب كملاذ آمن تقليدي.
ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا المسار قد يدفع مزيداً من المواطنين إلى التخلي عن الاحتفاظ بمدخراتهم بالجنيه السوداني، والتحول نحو الذهب أو العملات الأجنبية أو السلع كملاذ لحفظ القيمة، وهو ما يزيد بدوره من الضغط على العملة الوطنية في حلقة مفرغة يصعب كسرها دون استقرار سياسي وأمني حقيقي يعيد الثقة إلى الاقتصاد السوداني.
🔎 قراءة تحليلية: أين يلتقي السياسي بالاقتصادي؟
لا يمكن قراءة المشهد الاقتصادي السوداني بمعزل عن التطورات السياسية والعسكرية الجارية. فكل تأخر في الوصول إلى تهدئة ميدانية حقيقية يترجم مباشرة إلى مزيد من فقدان الثقة في العملة الوطنية، وارتفاع في تكاليف المعيشة، وتوسع في السوق الموازية على حساب القنوات الرسمية. وفي المقابل، فإن أي تقدم ملموس في مسار الحوار السوداني-السوداني، أو نجاح الوساطات الدولية في تثبيت هدنة مستدامة، من شأنه أن يشكل نقطة تحول محتملة تعيد بعض الاستقرار النسبي إلى سوق الصرف، حتى لو بقيت التحديات الهيكلية للاقتصاد السوداني قائمة على المدى المتوسط.
المؤشرات الحالية تضع صناع القرار أمام معادلة صعبة: فالانفتاح على الحوار يحمل فرصة نادرة لإنهاء النزاع، لكن استمرار التصعيد الميداني في جبهات مثل النيل الأزرق ودارفور والحدود مع تشاد يبقي هامش المناورة السياسية ضيقاً، بينما يواصل المواطن العادي دفع الثمن يومياً في صورة غلاء وانهيار قيمة مدخراته.
رأي مجلة الأحداث: المسار السياسي والمسار الاقتصادي في السودان اليوم وجهان لعملة واحدة، ولا يمكن لأي منهما أن ينجح بمعزل عن الآخر. فالحديث عن حوار سوداني-سوداني شامل يفقد الكثير من قيمته إذا لم يترافق مع خطوات عملية لوقف نزيف العملة الوطنية وحماية المواطن من الانهيار المعيشي المتسارع.
📰 نشرناه اليوم / 🗂 من الأرشيف
[أدرج هنا رابط أو رابطين من الأرشيف يتعلقان بالحرب في السودان أو انهيار الجنيه، مع نص رابط مختلف عن الأيام السابقة]
📩 تابعنا عبر بلوجر
📲 انضم إلى مجموعات الواتساب
🐦 تابعنا على تويتر/X
📣 قناتنا على تيليجرام
© 2025 مجلة الأحداث
🔍 تحسين الفهرسة والزحف
لمزيد من التغطية السياسية والاقتصادية للسودان، راجع دليل الكلمات المفتاحية وأرشيف مجلة الأحداث، مع الاطلاع على سياسة الخصوصية. وتستمر مجلة الأحداث في متابعة كل جديد على الساحتين السياسية والاقتصادية أولاً بأول.
